8 أغسطس، 2012

رمضانيات(2) مع الشيخ عدود / سيد محمود بن الصغير




كان لكلام الشيخ محمد سالم ولد عدود وقع خاص في نفسي كلما ابتسم لي الحظ السعيد بالاستماع إليه وهو ينثر درر الحكم على الجمهور ، أو يعطر أثير البث بأريج حديثه المتضوع بشذى القرآن ، والحديث ، ومَتين الفقه ، وسير الأعلام ، وآداب العرب ، وقطوف دانية أخرى يتخيَّرها الشيخ من أفانين ثقافته الواسعة المنوَّعة ، وما زلت إلى اليوم لا أجد تفسيرا مقنعا لذالك الإحساس الذي كان ينتابني عند سماع كلامه المؤثر ، وقد ظللت أحتفظ به لنفسي وأستأثر به على الآخرين ، سوى مرة واحدة عنَّ لي أن أشرك فيه بعض الندماء فبحت لهم بالشعور ثم عدت إلى المذهب القديم لفشلهم في محاولات التفسير ، أو هكذا شعرت !

لم أشرُف بالانتساب إلى محضرة الشيخ عدود - وأعلن ندمي ! - ، ولكني حضرت بعض مجالسه العلمية واستمعت إلى الكثير من دروسه ومحاضراته المذاعة وكنت أحرص عليها، فأفدت من ذالك فوائد علمية وتربوية ما أود أن لي بهن حُمْرَ النَّعم

كان برنامج : (رمضانيات على الهواء )وغيره من برامج المسطرة الرمضانية بإذاعة موريتانيا خلال عقد التسعينات مدرسة علمية كبيرة أعادت تحوير بيت ابن بونا – رحمه الله - على هذا النحو :
ونحن ركب من الأشراف منتظم .......أجلُّ ذا العصر قدرا دون أدنانا
قد اتخذنا " أثير البث " مدرسة........ بها نبين دين الله تبـــــــــــــيانا
وكان الشيخ عدود عميد تلك المدرسة وعمادها بدون منازع ، كان بحق مفخرة الرمضانيات .

يخامرك الإحساس بالزهو وأنت تتلقى دعوة من الإذاعة لمتابعة حلقة معه ، غالبا ما تكون مفتوحة في الفقه والأدب ، وما شاء الله من أسئلة بعد ، فيأخذك العلامة عدود – كان الشيخ حينها يحمي جناب هذا اللقب– بعيدا لتعيش مع علماء السلف وتدرك عظمة جهابذة الإسلام .


ترجمان القرآن :

لم يكن حديث العلامة محمد سالم رحمه الله عن القرآن كحديث مشايخ أهل التفسير المعتاد ممن ينقلون إليك المعاني عن أئمة هذا الفن فيصلونك بالأولين في أمانة وضبط ، وإنما كان يأخذ بيدك وينطلق يفتح لك أبواب القرآن بابا بابا بمفتاحه الخاص ، لا يحتفل كثيرا بالنقل ، ولا يدور حول كلام المفسرين ، وإنما يقرأ القرآن كمن أنزل إليه ، ويقول هذا القرآن بلسان عربي مبين ونحن عرب ، فيربط الآية بأختها ، ويقارن بين السياقات القرآنية فيكشف طيَّ هذا السياق لما بسطه ذاك ، وبسط هذا ما اختُصر هناك ، وهكذا ، فتجد معه من الفائدة والمتعة ما لا يخطر لك ببال .

ومن الأمثلة التي لا أنساها تلك المقارنة البديعة التي نبَّهنا إليها الشيخ لأول مرة

في شأن الجنان الأربع المذكورات في سورة الرحمن ؛ بدءا من قوله تعالى : (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)
حيث شرح لنا أوجه الفرق بين الجنتين الأوليين الموصوفتين ب :
1- ذواتا أفنان
2- فيهما عينان تجريان
3- فيهما من كل فاهكة زوجان
4- متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ...الخ
والجنتين الأخريين الموصوفتين ب :
1- مدهامتان | في مقابلة : ذواتا أفنان
2- فيهما عينان نضاختان | في نظير : عينان تجريان
3- فيهما فاكهة ونخل ورمان | في محلِّ : فيهما من كل فاهكة زوجان
4- متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان | بدلَ : متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ...إلخ

وهذا طرف من المقارنة التي سمعناها من الشيخ قبل أن نطلع عليها في أي تفسير آخر وكيف ننسى ذالك المعنى العظيم الذي كان يقف عنده الشيخ - كثيرا - باهتمام بالغ وهو يتلو الوصايا العشر من سورة الأنعام بدءا من قوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ...الآيات (151-152-153) فيقول : عشر وصايا تضمنتهن ثلاث آيات ، ذكرت خمسٌ منهن في الآية الأولى ، وأربع في الثانية ، واختصت العاشرة منهن بآية مستقلة ، فاقدروا حق هذه الوصية العاشرة : (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون )


ومن تابع تناول الشيخ محمد سالم رحمه الله لآي القرآن ورأى كيف يفسره أدرك أن لديه منهجا متفردا في التفسير جديرا بمن يحاول الكتابة عنه واستخلاص معالمه ، ولا شك أن من أهمها القناعة المتجذرة لديه بضرورة التعامل المباشر مع القرآن بدون وسائط من غير مقتضيات لغة التنزيل ولسان العرب .


ولئن كان هذا قد يرد استنتاجا ظاهرا فإن جلسة مباركة حضرتها مع الشيخ في زيارة قام بها للكويت سنة (2006) أكدت هذا المعنى بوضوح ، حيث صرح لنا فيها بأنه لم يقرأ كتابا في التفسير ، ولم يبدُ لي أنه نادم على ذالك !


مصداقية المحدِّث

لا جرم أن مما يمكن به وصف الشعور الذي كان يعتريني لسماع أحاديث عدود ما يمكن أن أسميه : الاطمئنان ، ولعله ناشئ عن صورة المحدث الثقة التي ارتسمت في ذهني عن فضيلته رحمه الله على وقع إنشاده لمثل قول الحافظ العراقي :
فقيض الله لها نقادها
فبينوا بنقدهم فسادها
وهو مما حفظته من فيه – عبر الإذاعة - مع هذه الأبيات من ألفية الحديث :
والواضعون للحديث أضرب
أضرهم قوم لزهد نسبــــــــوا
قد وضعوها حسبة فقبلــــت
عنهم ركونا لهم ونقلــــــــــــــت
فقيض الله لها نقادهـــــــــــــا
فبينوا بنقدهم فســــــــــــــادها
نحو أبي عصمة إذ رأى الورى
زعما نأوا عن القران فافترى
لهم حديثا في فضائل الســــور
عن ابن عباس فبئس ما ابتكر

فمضى الشيخ – في حِسِّي - يجدد سمت المحدثين ، ويصل حبل الثقة المتين بجيل النَّقلة الأخيار فيسكب - كلما تحدث - في النفس من رحيق الإيمان والاطمئنان ما تقر به العين ويهدأ له القلب . ولأمر مَّا نظم رحمه الله سند الأخلاق العظيم وسمعناه منه في تلك البرامج الرمضانية المباركة :

ربى ابنَ مسعود مقيمُ المــــله
فكان يحكي هديه ودلــــــه
وكان علقمةُ لابـــــــــن أمِّ
عبد كهذا للنبي الأمِّـــــــي
وكان إبراهيم يحكي علقمه
واها له من نسب ما أكرمه
وكان منصور لإبراهيما
كذاك يحكي هديه القــــويما
وكان سفيان بلا قصـــــــــور
مشـــــــــــبَّها بشيخه منصور
وهكذا أيضا وكيع كانــــــــــا
مشبـَّــــــــــها بشيخه سفيـــانا
وكان أحمد لدى الجميـــــــــع
مشبــــــَّها بشيـــخه وكـــــــــيع
كذا أبو داود عند الكُمَّــــــــــــل
مُشــــبَّهٌ بأحمــــــــد بن حنبل

بقية الجيل الأول


شاع بين الناس وصف الشيخ عدود بالموسوعة العلمية، والعالم الموسوعي ، ولم يعد في الوصف جديد ، ولكن ما كنت أشعر به هو أن الشيخ حين يحدثك عن أخبار الأولين فكأنه أحدهم يحدثك عن أمور عاشها وتفاصيلَ حضرها وليست مجرد مسائل درسها أو نقلت إليه ، فهو يقدمها بحرارة نادرة ووضوح يفوق الوصف ، ومن سمعه يتحدث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ...وأنساب العرب رأى من ذالك العجب ..


ولا أنسى في هذا السياق محاضرة ألقاها رحمه الله ذات يوم -من منتصف التسعينات -عن أمهات المؤمنين فقد بلغتُ بها مدى من الإعجاب ليس لي به عهد ، ولعلها موجودة مسجلة بحمد الله !


ومن الطرائف التي احتفظت بها الذاكرة – على هامش هذه المحاضرة - أني سمعت تقريرا عنها – لاحقا- في الإذاعة الوطنية قدمته الصحفية غاندي دحنه حمود ، وكان تقريرا جيدا غير أن الصحفي بناهي ولد حادي الذي كان يقدم تلك النشرة لم يزد على أن قال لها : رضي الله عن أمهات المؤمنين أما غاندي فشكرا !


إشراقة البليغ


كان الشيخ أحد أساطين البلاغة في عصرنا الحديث غير مُدافَع ، وسأورد لبلاغته المتواترة ثلاثة أمثلة عايشتها :

أما أولها فمدخل لمحاضرة عن القتل – عائذا بالله –ما زلت أذكره تأَتَّى من خلاله الشيخ للموضوع ، حين قال : إن الإنسان بِنية بناها الله تعالى فلا يجوز الاعتداء عليها بهدم أو تشويه (أو كلام كهذا ) ، وكم راقني هذا المدخل الموفق !

وأما الثاني فكان تخلصا من رد شعري لم ير مناسبته إثر محاضرة قرآنية مؤثرة انبرى بعدها أحد الشعراء الشباب مثنيا عليه فقال الشيخ : لقد رأيتني وما أعيا بجواب شاعر ولكن المقام مقام جد ، فكان هذا – في نظري – أحسن من الشعر وأكثر انسجاما مع المقام !


وأما الثالث فعبارة كان الشيخ -أحيانا - يختصر بها منهجيته في التعامل مع الأسئلة المكررة حيث يقول إنه سيأخذ أحد المثلين ، وأكثر المتداخلين ...في استحضار لطيف لقول خليل – في مسألة تصحيح الانكسار – : " ورد كل صنف انكسرت عليه سهامه إلى وفقه ، وإلا ترك : وقابل بين اثنين فأخذ أحد المثلين ، أو أكثر المتداخلين وحاصل ضرب أحدهما في وفق الآخر ، إن توافقا : وإلا ففي كله ، إن تباينا ...الخ


وهي إحالة بديعة في دلالتها على المراد ، وفي إعطائها لنكتة الشيخ عمقا معرفيا يناسبه

وعلى ذكر المختصر فقد سئل الشيخ خلال زيارته للكويت عن نظمه له : هل طبع ؟ فأجاب إجابة طريفة قال فيها :(أنا نفسي لم أطبَع بعد ) !

دقة المفتي


ومما أذكره هنا– أو أظنني – تلك الإجابات الوجيزة الدقيقة التي كان يجيب بها الشيخ سائليه من المستفتين من غير إسهاب ولا تمطيط ، في شكل خلاصات فقهية واضحة تحل الإشكالات ولا تعرض العضلات ، بل لعله كان يميل على الدوام إلى الإيجاز –والبلاغة الإيجاز- وقلما ذهب يستظهر بنصوص فقهية للاستشهاد سوى حالات نادرة ، أذكر منها أبياته السائرة التي ضمنها فتواه في شأن اللحوم المستوردة :

تــــــفاحـــة جنية لتوها
خفيفـــــة مثل طعام جوها
حاصل مقتضى نصوص المذهب
تحــريم لحــم أوربا المعلب
فإن يقل أهل كتــاب قلت قد
شاع إلى الإلحاد منهم ملتحـــد
ولو فرضناها فهم يلـــغونا
ذكاة ما من ذاك يأكــــلونا
ولو فرضناها فهم على الأقـــل
غابوا وأكل الميت فيهم مستحــــل
قلت ومن أحس مس السغــــــب
فيهم يقل بقولة ابن العــــــــربي
فهي وإن زيَّفها المُفــــــــــتونا
في عصره تؤلف المــــفتـــــونا
بأن دين الله يسر والحـــــــــرج
عن مقتضى مقاصد الشرع خرج
وآية العقود في طعــــــام
أهل الكتاب حجة الإقــــــدام
وحجة التحريم قل مأخــــوذه
مما اقتضته آية الموقـــــــوذه
والحزم الاكتفاء بالأسمـــــــاك
والبيض والأخباز والفــــــواك
فقد كان يذكرها في موجبها لا للاستظهار ، وإنما لتضمنها تحرير القول في مسألة اللحوم المستورة من الدول الأوربية ، على ما فيها من لمسات أدبية ظاهرة ، يزيدها طرافة كونها كتبت في الطائرة حيث ورد الاستفتاء ! .
أريحية الأديب
مع الشيخ عدود لا مسافة بين الفقه والأدب ، فالفقه يخرج من رحم الأدب ، والأدب يولد من رحم الفقه ذرية بعضها من بعض ، ومن ثم فلا غرابة أن تكون فرصة استضافته في الإذاعة أو التلفزة مناسبة لفتح الحلقة على مصراعيها الفقهي والأدبي ، ف :
كِلا جانبي هرشى لهن طريق ! .
ولا غرابة – إذن - في أن نتذكر ما حفظناه أو سمعناه من عيون الشعر العربي خلال دروس الشيخ ومحاضراته ، ومنه شعر غزلي جميل ، فلم يكن – رحمه الله- يرى بأسا بذالك ، وكيف يرى به بأسا وهو من روينا عنه قصة ابن عباس في محاورته لنافع ابن الأزرق الخارجي التي أتاه في أثنائها عمر بن أبي ربيعة وأنشده قصيدته الغزلية المشهورة
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
غداة غد أم رائح فمهجر
لحاجة نفس لم تقل في جوابها
فتبلغ عذرا والمقالة تعذر
إلى آخر القصة المشهورة ؟!
وما أحسبني سمعت أبيات الفقيه المدني التابعي المشهور عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود – أول مرة - إلا من الشيخ رحمه الله ، وليس الشك في السماع وإنما في (أول مرة ) :
كتمتَ الهوى حتى أضر بك الكتْمُ
ولامك أقوام ولومهم ظـــلـــــــــم
ونم َّعليك الكاشحون وقبــــلهم
عـليك الهوى قد نم َّ لو ينفع النمُّ
تجنبتَ إتيانَ الحبيب تأثــــــــما
ألا إن هجران الحبيب هو الإثــــم
فذق هجرها قد كنت تزعم أنه
رشاد ألا يا ربَّما كذب الزعـــــــــم !

ومن ثم فقد ظل الشيخ وفيا لشاعريته المتقدة إلى آخر لحظة ، فلم يكن يجد حرجا من إجابة الشعراء حتى غير المشهورين منهم ، وما زلت أذكر ذالك الشاب الذي اتصل به في سهرة رمضانية وأثنى عليه بأبيات لا تحضرني ، فعلق عليها الشيخ ارتجالا :

ما زال في أذني من الأبيات رجع كــــالصدى
وجزاء محسن ظنه في شعره أن يحمدا
وهو ما أطرب الشاب فارتجل على الفور أبياتا أخرى يقول فيها :
فخر عظيم للذي ...عدود فيه قد أنشدا
لا أذكر بقيتها !
بل لم يزل هو نفسه يبادر بقرض الشعر وارتجاله متى وجد المناسبة ، وقد رأيت من ذالك أكثر من موقف ، ومما أذكره :تظاهرة ثقافية أقامتها جمعية آزوكي بمناسبة مرور 1000 سنة على وفاة الإمام الحضرمي رحمه الله ، فقد افتتح فيها الشيخ كلمته شعرا بقوله : رابطــــوا في سواحل الإظــــــــلام
بالجواري في البحر كالأعــــــــــلام
واعبــروا ذالــك المضيــــــق الذي قد
عبرته جـــــــــــــحافل الإســلام
واذكروا (الحضرمي) من مدَّه التــــــ
ـاريخ حتى دعوه (بالحضرامــــــــــي )

في أبيات – غاب عني أحدها وقد أرخ فيه الشيخ لوفاة الإمام الحضرامي - بدا لي أنها مرتجلة .

وآخر ما حضرته من ذالك كان يوم24 إبريل 2006م حين تحدث الشيخ في ندوة غراء –موضوعها فقه المآلات - يقاسمه موضوعها صديقه المبجَّل العلامة عبد الله بن بيه – حفظه الله –في مؤتمر للأئمة والخطباء تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت ، سعد فيه طلبة العلم وبخاصة نحن معشر الموريتانيين - فقد قرت أعيننا بتمثيل بلادنا على المستوى الرفيع بل النادر -؛ بوجود الشيخين الكريمين يَثلِثهما شيخنا وعلامتنا الجليل الشيخ محمد الحسن بن الددو حفظه الله ورعاه
وكان ضمن ضيوف المؤتمر العالم والأديب اليمني سليمان عبد الوهاب الأهدل ، فلما آل الحديث إلى الشيخ محمد سالم في الندوة المذكورة افتتح كلمته بهذه الأبيات :

إن الـــذين نمتهم الصحراء عرب نمتهم قبلها صنعاء

منها ابن بيّه خطيبها وفقيهها فليشهد الخطباء والفقــهاء
والأهدلون لهم أسانيد الهدى ولهم هنا الإنشاد والإنشــــــــاد
فنشاء ما شاءوا ونُمضي تحت ما كتبوا وحسبك من رضا إمضاء
ونقول للبلد المضيف لحشدنا ما قاله من قبــــــــــــلنا الخطباء
فهو الأمين على حضارتنا كما هو للتراث النثرة الحـــــصداء
ثم أردف قائلا : إن "المآلات" نفسها هي من باب المآلات فإنه إنما عبر بها خوفا من أن ينسبه السامعون إلى اللحن إذا الأصل أن يُجمع مآلٌ ومآلٌ على مآول ! ، وكان هذا مدخلا طريفا ولافتا ! .

وما زال في أذني – أنا أيضا- صدى من حديث الشيخ – في مثل هذه الأواخر من رمضان– وهو يتمثل بقول الفيروزابادي في مقدمة القاموس :

" ما أحرى هذا اللسان وهو حبيب الطبع وسمير ضمير الجمع وقد وقف بثنية الوداع وهمَّ قِبليُّ مزنه بالإقلاع بأن يُعتنق ضما والتزاما كالأحبة لدى التوديع
ويكرم بنقل الخطوات على أثره حالة التشييع " ! ، وكثيرا ما تمثل بها في القرآن ، وفي العلم ! .
وكلما ذكر الشيخ محمد سالم ولد عدود في حياته أو بعد وفاته تذكرت شيخي لمرابط بداه ؛ فقد كانا كفرسَي رهان – كما كان يروق للإمام أن يقول - هكذا عاشا وهكذا رحلا
كانا رفيقي درب ذاك الشان فاستبقا في ذمة الرحمن
على حد تعبير القاضي الأديب محمد يحظيه ولد المختار الحسن
فاللهم اجمعهما بالفردوس الأعلى وألحقنا بهما بعد طول عمر وحسن عمل .
وأعَزَّ الله الخليل النحوي إذ ودَّع الشيخ عدودا برائعة أروت غليل الرثاء – كما ودع الشيخ بداه برائعة أخرى - : مما يقول فيها :

لأي مدى تمضي على أنك المدى أأبعد من هذا تروم وأحمدا

تعودت تصعاد الثنايا وإنما (لكل امرئ من دهره ما تعودا ) !
ألم يكفك الأوجُ الذي كنت أوْجَهُ فكنت له رِجْلا وكنت له يدا
بأن صرت في ثغر البلاغة بسمة وأن صرت في عين الشريعة إثمدا
وأن صرت للفقهين سيفا ودولة وصرت عكاظا حيث سرتُ ومربدا
وأن غصت في بحر العلوم، وكنته كما كنته صنوا وفرعا ومحتدا
وأن لم تدع علياء إلا علوتها وأنحلتها عزما وجفنا مُسَهّدا
فكنت إذا شمس المعارف أشرقت شَروقا وكنت المنهل العذب موردا
سبحت بأفلاك المعارف كوكبا إذا ما دجى ليل الفهوم توقدا
وجبت دروب المكرمات معارجا أصبت بها فوق السماكين مقعدا
فيا فاعلا حلاَّه بالرفع فعله ويا خبرا حيث المعارف مبتدا
أراغب انت اليوم عن صدر مجلس تحدث فيه عن قضاء وعن أدا
وعن آبدات الضاد أعيا اقتناصها على مرة عمرا وأعيا المبرِّدا
وتنثر فيه العلم سيط بحكمة وشعشع أنسا باسما وتوددا
وحلما وأكنافا موطأة بها لمَمْت شتات البر غيبا ومشهد
سلوت أحاديث العشيات تقتنى قلائد آداب وفكرا منضدا
وتبر معان شتَّت النأي شملها فكنت لها ياء الإضافة والندا
...الخ

رحم الله علامة العصر محمد سالم ولد عدود ورفع درجته في الصالحين

وبارك لنا ولكم في العشر الأواخر من رمضان .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يسرنا في مدونة كنكوصه اليوم أن نطلع على وجهات نظركم وأن نتلقى توجيهاتكم من خلال التعليق كما نذكر الجميع بقول الله تعالى " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"

آخر الأخبار

المقالات

المقابلات

الملفات

الفيديو

التهاني

التعازي

الطقس

صمم هذا القالب المدون ياسو صاحب مدونة نصائح للمدونين | تم التصميم بإستخدام مصمم نماذج بلوجر ونفخر بتعاملنا مع بلوجر | جميع حقوق التصميم محفوظه كحقوق ملكيه فكريه.